السيد كمال الحيدري
110
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
وهذا يعني أننا لا نرفض جميع آليات القراءة الحداثوية للرمزية ، وإنما نرفض بشدة تطويع النصّ وإلغاء مقاصد المتكلّم وتمييع الدلالات اللغوية بصورة نهائية . من هنا نحذّر وبشدّة جميع المهتمّين بقراءة النصّ الديني والمُلتفتين إلى رمزية النصّ ، من السقوط في ثنائية النصّ والقارئ وعزل المتكلّم نهائياً عن حركتهم العلمية ، ومما يُؤسف له أن هذه السقطة المعرفية قد أوقعت الكثير من طُلّاب العلم والحقيقة في توهّمات أفرزتها العقول المُفرغة من كمالات المطلق ومقاصده . إنها خسارة أُخرى وفوضوية أُخرى تُضاف إلى الخسارة الكُبرى التي خلّفتها لنا فوضى القراءة التجزيئية التفكيكية ، فكانت النتائج من هذه وتلك واضحة المعالم من حيث السذاجة والسقوط عن الاعتبار . وهذه القراءة التجزيئية التفكيكية بين مراتب القراءة التفسيرية ، وتلك الفوضى الحداثوية تركت لنا طبقتين من القرّاء تشتركان بنقاط وتفترقان بأُخرى ، أما نُقاط الاشتراك فأهمّها وأسوؤها هي الاستغراق في ترف معرفي كاذب ، وأما نقاط الافتراق فمنها ابتعاد الحداثويين عن عالم الواقع وتذويب مشكلاته الروحية والاجتماعية والسياسية واستبداله بعوالم الخيال المُطلق الذي تُطلقه النفوس اللاغية لترشيدات العقل ، فصار الخيال اللاواعي هو المُترجم الفعلي لحاضرهم ومستقبلهم . إنها محاولات استفزازية للعقل والمنطق أخذت بالبعض إلى المجهول أو اللاشيء تحديداً لسدّ فراغات كانوا قد تخلّوا عن إملائها بالمعطى الإلهي ، فكان السير منهم سرابياً مع سبق الإصرار والترصّد في أرضية سمّوها باللاشعور ، وهي كذلك ، فهي لاشعور من حيث المعطى الإلهي « 1 » .
--> ( 1 ) للحداثوية ارتباط غير خفيّ بالعلمانية التي انطلقت منذ وقوع الثورة على الكنيسة / / المسيحية ، وكانت الثورة تدعو للتحرّر الفكري من هيمنة الكنيسة التي حجّمت الحركة العلمية مُعتبرة أنّ المعارف والعلوم وليدها الشرعي الذي ينبغي أن لا يؤخذ من مصادر أُخرى ، فيبطل كلّ ما عداه من دعاوى الخارجين على سنن الكنسية ، فكانت الدعوة للحَجْر على العقول واضحة ، وهذا ما نُشاطر أصحاب تلك الدعوات التصحيحية في حيازة العلم والحجر السيّئ عليه ، ولكن ما نرفضه هو القطيعة مع أصل الدين والتطوّرات الجسيمة التي انتهت إليها الأجيال اللاحقة ، التي انتهت إلى حجر معاكس على الدين ، فصار الدين قضية شخصية يختار فيه الإنسان ما يشاء في رسم علاقته مع الله تعالى ، وبالتالي صار الدين متنوّعاً بتبع مشيئة المتَّبِع له ، بل لا يوجد ما هو دين حقيقي ، وإنما هي سطور يقرأها في كتاب لنيتشه وفرويد وماركس وغيرهم ، وهكذا سقط عرش الكنيسة والفكر المسيحي وتلاشت فعالياته لينحسر مؤخّراً في حضور جلسة أُسبوعية لتناول ( الكيك والشربت ) وسماع بعض السمفونيات التي ابتدعها لهم العلمانيون أنفسهم ، هكذا أُبدل ذلك الإرث التأريخي بتراتيل قوامها لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ . الغاشية : 7 ، وما تلك العودة - التي انطلقت مع الاستعمار الأُوربي في القرن الثامن عشر - لتنشيط المسيحية إلا لمواجهة الإسلام بعد أن عجزوا عن إطفاء نوره ، فهي ليست عودة حميدة ، وإنما هي أشبه بنصرة الخوارج لمعاوية مع شدّة بغضهم له ، فنصروه لا حبّاً بمعاوية وإنما بغضاً لعلي عليه السلام ، والكلام هو الكلام . وما نُريد أن نخلص إليه هو أن ذلك التصحيح الآني انتهى إلى تخريب دائمي ، وقد أُريد لهذا التخريب أن يغزو العالم فيُبدّل قيم السماء بقيم الإنسان الوضعية ، وأن الإنسان هو المسؤول وحده عن صياغة العالم وصناعة تأريخه ، فاختصروا كلَّ فلسفتهم بهذه الكلمة : ( الإنسان يصنع تأريخه ) ، ويُراد بذلك أنه يصنع دينه أيضاً ، فعطّلوا ألوهية إله السماء وقالوا بألوهية العقل وقداسة نتاج التجربة . من هنا نلاحظ أهمّية تشديد السيد الأُستاذ وتحذيره من الوقوع في معطيات ذلك النتاج الذي هدم بآلياته الوجود الآخر للإنسان الحسّي وهو عالمه الروحي ، وصيَّره مُجرَّد أثاث قديم يُذكِّره بأمجاد تأريخية وتمزّقات وتناثر وانطفاء حاضر . .